ابن ميثم البحراني
165
شرح نهج البلاغة
إنّما هو منشأه وما إليه مرجعه ، وإنّما سمّى الليل والنهار جديدان لتعاقبهما فليس أحدهما مختلفا للآخر . واستعار لفظ الحدو لما يستلزمانه من إعداد الإنسان لقرب أجله المشبه لصوت الحادي الَّذي يحدو الإبل لسرعة سيرها وقربها من المنزل المقصود لها . وظاهر أنّ من كان الليل والنهار حادييه فهو في غاية سرعة الرجوع إلى مبدئه ووطنه الأصلي . وقال بعض الشارحين : أراد بالغائب الموت . وهو وإن كان محتملا إلا أنّه لا يطابقه لفظ الأوبة لأنّ الموت لم يكن جائيا أو ذاهبا حتّى يرجع . وقوله : وإنّ قادما . إلى قوله : العدّة . أشار بالقادم بالفوز أو الشقوة إلى الإنسان حين قدومه على ربّه بعد المفارقة فإنّه إمّا الفوز بالسعادة الباقية ، أو الحصول على الخيبة والشقوة . ونبّه بذكر القدوم على أنّ من هذا شأنه فالواجب عليه أن يستعدّ بأفضل عدّة ليصل بها إلى أحبهما لديه ، ويتباعد بها عن أكرههما عنده . وقوله : فتزوّدوا . إلى قوله : غدا . فصّل نوع تفصيل أفضل العدّة وهو الزاد الَّذي يحرز الإنسان به نفسه يوم القيامة من السقب في نار جهنّم وغليل حرّها ، وأشار بذلك الزاد إلى تقوى اللَّه وخشيته . وقد علمت حقيقة الخشية والخوف وأنّه إنّما يحصل في الدنيا . وأمّا كونه من الدنيا فلأنّ الآثار الحاصلة للنفس من الحالات والملكات كالخشية والخوف وساير ما يتزودّه ويستصحبه بعد المفارقة أمور إنّما حصلت عن هذا البدن واستفيدت من الدنيا بواسطته . والمشابهة الَّتي لأجلها استعار لفظ الزاد هنا هو ما يشترك فيه الزاد المحسوس والتقوى من سلامة المتزوّد بهما كلّ في طريقه فذاك في المنازل المحسوسة من عذاب الجوع والعطش المحسوسين ، وهذا في المنازل المعقولة ومراتب السلوك ومراحل السفر إلي اللَّه تعالى من عذاب الجوع المعقول . وقوله : فاتّقى عبد ربّه . إلى قوله شهوته . أو أمر وردت بلفظ الماضي خالية عن العطف وهى بلاغة تريك المعنى في أحسن صورة . فالأمر بالتقوى تفسير للأمر بالزاد كما قال تعالى « وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى » ( 1 )
--> ( 1 ) 2 - 193